علي الهجويري

37

كشف المحجوب

من ليس له نصيب من علم الشريعة فقلبه مريض بالجهل فقلوب المشركين ميتة لأنها تجهل الحق سبحانه ، وقلوب الغافلين مرضى لأنها تجهل أمره سبحانه . قال أبو بكر الوراق الترمذي : « من اكتفى بالكلام من العلم دون الزهد تزندق ، ومن اكتفى بالفقه دون الورع تفسق » ، وهذا يعنى ان التوحيد دون عبادة أو مجاهدة يكون جبرا ، والموحد جبري القول قدرى العمل ، حتى تكون منزلته بين الجبر والقدر ، وهذا مصداق لقول ذلك الشيخ رحمة اللّه عليه « التوحيد دون الجبر وفوق الاختيار » إذن فكل من يقنع بالكلام دون المجاهدة زنديق . وأما الفقه فشرطه الاحتياط والتقوى ، فكل من شغل بالرخص والتأويلات والتعلق بالشبهات ، وحام حول المجتهدين دون اعتقاد فإنه سريعا ما بسقط في الفسق بسهولة . وهذا كله ينشأ عن الغفلة ، والغفلة هي السبب في الافتقار إلى الوازع الديني والأخلاقي ، وما أفضل ما قاله شيخ الشيوخ ، يحيى بن معاذ الرازي . « اجتنب صحبة ثلاثة أصناف من الناس : العلماء الغافلين ، والفقراء المداهنين ، والمتصوفة الجاهلين » « 1 » . فالعماء الغافلون هم أولئك الذين اتجهوا بقلوبهم نحو الدنيا واختاروا من الشرع أسهله ، وتملقوا الحكام والطغاة ، وطوفوا برحابهم ، وجعلوا مهارتهم في الجدل سبيلا إلى مهاجمة الأئمة الأعلام ، وانشغلوا بقهر أئمة الدين بكلام ملئ بالحشو ، فلو وضع لهم الكونان حينذاك في كفة الميزان لما ظهرا أمامهم ، إذ جعلوا الحقد والحسد مذهبا . وفي الجملة لا يكون هذا علما إذ أن العلم صفة تنفى عن الموصوف بها أنواع الجهل . أما الفقراء المداهنون فهم أولئك الذين يمتدحون كل ما يتفق مع رغبتهم حتى وأن كان باطلا ، ويذمون ما يكرهون وإن كان حقا ، يحاولون أن يتجهوا إلى

--> ( 1 ) المرجع السابق ص 113 .